Thursday, June 6, 2013

الطبيب.. ذلك الإنسان، البائس المتعجرف

الطبيب: ذلك الإنسان، البائس المتعجرف

 

      الطبيب في كل أرجاء الأرض كان وسيظل إنسان قبل أن يكون طبيب، والطب عبء ثقيل قبل أن يكون مهنة شديدة التنافسية. عبء تجاه الإنسانية أن تخفف أوجاعهم الجسدية ومخاوفهم النفسية، أن تخضع معايير احترافيتك في المهنة للضمير الإلهي الكامن بداخلك قبل أن يتقيد بكود ممارستها، أن تعرِف المحيط وتجعل مريضك يشربه في زجاجة، أن تتعاطف في وقت قد لا يتعاطف معك أحدًا فيه في المقابل، أن تعالج من يتألم ودمك نفسه تخالطه المسكنات. قد يرونك في صورة المبتسم دائمًا الذي لا يمرض ولا يمل، المطالب دائمًا أن ينسى ضعفه حين يرتدي سترته البيضاء.
 
      الطب مهنة ذات طابع خاص منذ آلاف سنين الإنسان الحديث؛ فهو يساعد الضعيف والسقيم على عكس وحشية الكون ضده في نصرتها للأقوى إحصائيًا، يثور على جوهر عملية التطور التي صاغتنا على مر ملايين السنين، لتجده يحارب شر الطبيعة المباشر ضد آلة الإنسان. كل هذا يحمل عاتقه الطبيب في عمله كل يوم.. أراد أم لم يرد ذلك، بل علِمه أم لم يعلَمه أيضًا.
      فتراه متعجرفًا بدون وجه داعي على المرضى وغير المرضى في بعض الأوقات ساعيًا لتقدير مبالغ فيه على كونه مجرد طبيب، وتراه مرات يشعر بالحزن والبؤس وفقدان الأمل في محاربة قسوة الحياة الغير محدودة على حظوظ مرضاه الذين ينظرون بخوف لأسر العدمية الذي يقترب منهم في كل دقيقة لا يتحسنون فيها وتحفر معاول عقارب الساعة حفرة أعمق لهم في التراب، في عجزه من أن أفضل الأفضل لديه من جهد وعِلم، ببساطة قد لا يكفي، ولديه نصيبه من المتاعب الشخصية مع الحياة كإنسان عادي أيضًا. وتراه تارة يشعر أحيانًا بالتسامي والرضا حينما يجد التوازن المجهد بين تفهمه لشعور مرضاه وعائلتهم المعنوي المتدني، وبين احترافيته الغير منقوصة في تأدية عمله تجاههم، الذي به يستطيع أن يغلق عيونه في المساء بعد أن يداعب أطفاله وزوجته بصفاء على طاولة العشاء- إن حالفه الحظ وعاد لمنزله مبكرًا.
      الطبيب مثل كل البشر وغير كل البشر؛ مثلهم في عيوبهم وضعفهم وأخطائهم وقبحهم، وجمالهم أيضًا، وغيرهم في عبئه ومهمته التي قد لا يدركها من لا يركبون سفينة الطب معه ويبحرون وجهة وحشها الباطش. الطبيب مختلف في أنه يتعامل مع أثمن موارد البشر على الإطلاق؛ صحته.. الجسدية والنفسية منها. الطبيب يعبأ بالرخاء أو الشقاء المباشر للإنسان، يقامر بعِلمه وحدسه مع الموت والحياة في أوقات عمله الرسمية والغير رسمية. نعمة أم نقمة؟ الإثنان معًا أظن.. ولكن ما هو أكيد أنه طبيبًا كنت أم غير طبيب، فالبؤس غالبًا هو مبرر غير جيد للتعالي على الآخرين، ولتكن لطيفًا مع البشر فالكل يكافح في معاركه الخاصة.

طبيب بشري
ماجد محروس






No comments:

Post a Comment