Tuesday, July 12, 2011

صـانِـع الآلِـهـة - مـاجـد مـحـروس

صـانِـع الآلِـهـة

قصة قصيرة
(مبنية على أحداث حقيقية)

بقَلَم: مـاجـد مـحـروس


اندفع مخموراً للخارج يهذي بعبارات غاضبة وكارهة للعديد، فخرج وراءه واضعاً يده في جيب معطفه الأنيق صديقه- هذا الذي أقلع عن السُكْر منذ زمن، واقتاده بيده الأخرى لسيارته في الباحة الخلفية لتلك الحانة التي اعتادوا المجيء إليها منذ صغرهم، عند هذا الساقي الملتحي معسول الكلام، اعتادوا على بركات كؤوسه فعاودوه كل ليلة. أصبح إحداهم مدمناً مزمناً للكحوليات وتخلّص من دنسها الآخر قبل أن تتمكن منه فصار لا يشرب إلّا كأس أو اثنين من شرابه المفضل في منزله مع الطعام أو للاحتفال أو الاسترخاء، وظل يصاحب صديق أيام الطفولة في أمل أن يرى ما رآه يوماً ما، حتى بعد أن انقطع عن المجيء معه لشهور.
          شرب أقل مما يشربه في العادة في تلك الليلة ولكنه كان هائجاً أكثر من كل ليلة على الرغم، كان أشعث الشعر وله بقعة باهتة من الشراب على قميصه، لعن الأشياء والأشخاص، القريب والبعيد منهم وسب صديقه الذي تجاهله كالمعتاد، زاد في تعديد مآسيه وسخطه على الكل فحاول صاحب المعطف تهدئته مرة تلو الأخرى في رفض من صديقه الهائج حتى تطورت المباعدة إلى قذف خشِن وشِجار وشيك، تهجم السكير على صديقه فمنعه بحزم و
بعد أن طُرِحا أرضاً، أخذا يلتقطان الأنفاس بعدها في صمت. تحركا إلى السيارة بعد دقائق، ركبا وظل الصمت يحاور أفكارهما، فقاطعه ذو المعطف بنبرة لائمة: لم أتعرّف بك اليوم فقط لأعرِف ماذا أصابَك. أين هذا الذي كنته أنت؟ أنت لست بالقوة التي حاولت أن تلكمني بها الآن. أنت خائف وتستجمع طاقة خوفك في لكمة تسددها لمن كان دائماً موجود لك. كرهتك في بداية بحثي حينما انقطعت عنك وفرغت أحاور نفسي وظننتك غبياً فيما تفعله، لكني لم أعد أؤمن بغباء البشر مثل ذي قبل بل بالجهل والجُبن والكسل والوهن الذي كثيراً ما ينتابهم. لن تهرب يا صديقي من نفسك بين زجاجات الويسكي والفودكا ولا في ضحكات من حولك ولا في ابتسامة ساقيك الملتحي. ذلك الخبيث الذي يتغذى على بؤسك ورغبتك في السهولة؛ السهولة في البحث في العمل في التفكير. لا تفارقه حتى تزيده ثراءاً بخوفك من أشياء- حقيقية أو من صنع خيالك، تسترخص له حريتك فتنحني له في انبهار ليمتطيك بدوره في زهو. ولكن الحياة أصعب بقليل من هذا ولكنها مجزية بسخاء في ذات الوقت. اندهش صديقه من وقع الكلام كما لو أن أحدهم يحاول أن يفيقه بدون أن يفيقه في الواقع، فرد عليه متسائلاً عما تقصده الكلمات، فأجابه: إنها كل تلك الأشياء التي أعياك أن تجدها خارجك فتدينت بدين ’اليأس والاستسلام‘ وذهبت تبتاعها كل يوم من الساقي بخوف ظناً منك أنها هناك، ولا تعلم أنها وفيرة بداخلك بكُل الحب...أشياء مثل السعادة والدين والإله.
ساد الصمت مجدداً بين علامات اندهاش هذا الذي يبدو أن تأثير الشراب يريد أن يفارقه وبين آخر يتجول بين أفكاره كما تتجول فتاة ريفية بين أشجارها تنتقي من الثمار ما تريد تقديمه للضيوف وقال له سريعاً: أتذكر تلك المرة التي فرض فيها علينا مدرس اللغة العربية ألّا نبحث ونتساءل عن طبيعة الإله منذ أكثر من عشرين عام؟ فأجابه بالنفي. فقال هذا ما توقعته وابتسم مكملاً: لم يكن أقرب للخطأ حينها في ما قاله هذا. فلم أكن أعرف بعدها أنه بهذا الطلب كان يطلب منا أيضاً أن ندفن مع تساؤلاتنا وشكوكنا الطبيعية...أرواحنا! وأتذكرك أيضاً حينما همست في بسخرية اليائس: كلنا في النار!
          حينما توقفت عن المجيء معك لفترة، ارتميت في بحور الشكوك بمنتهى الحرية دون أن يبدو كثيراً على خارجي. تساءلت - رغم الخوف- ورأيت بنفسي أن هذا التأرجح بين الشك واليقين ضروري لسلامة النفس وقدرتها على التكيّف، ولكن إن لم يتبع الشك إيمان باختيار مما شككت فيهم، يتحول الشك من نعمة إلى مأساة؛ مأساة وقع فيها الكثير من الفلاسفة أيضاً. نعم، فالجزم والتطرف في التيقن من شيم الجهلاء، ومن يقِفوا على طرف أو حافة المبنى يهوون إلى أسفل بدفعة واحدة ويظل من يتوسط المكان قادراً على الوقوف بعد أي عثرة. وهذا الإيمان السوي حينما يتحول للـ(حُب)، يُحيل معه كل الأشياء التي تؤمن بها من مُمكنة إلى سهلة.
          فسأله: ولماذا كرهتني إذن؟ فأجابه: لن أنكر كرهي لك في مستهل انقطاعي عنك، فلم استطع وقتها أن أعزل أفكارك بمنأى عنك فكرهتكما معاً، فأعياني الكره، تلك الطاقة السلبية التي تستنزفني ووقتي. لم أكرهك مطولاً إذاً، تسامحت حينما أصغيت الاستماع لذلك المذعور الذي يصرخ مستغيثاً في الأصداء بداخِلك فتأبى ملامحه بل أن تظهر لي قسوته ونقمته مجتمعين. فقد كنت أرى دوماً في عيناك نظرة ’عبثية الاستمرار‘، وأستمع في ارتفاع صوت ضحكاتك لأحزانك، وأشفقت عليك كثيراً حينما لمّحت لي بأن التفاؤل رفاهية لا تطيق توفيرها.
          قاطعه صديقه مُشيحاً بيديه في تساؤل عما يتحدث عنه تحديداً، فرد عليه: أتحدث أكثر عن الإله والدين. فقال له: وما الجديد فيهما فديننا كذا وإلهنا كذا. فأرسى في رده مفاجأة: ومن قال لك بأن كذا واحد وكذا واحد. ارتسمت على ثمالته معالم تكفيرية وهو يسمعها من صديقه الذي أكمل: لا أظن أنك لاحظت أن معظم من على ديانتنا لا يعترفون بي كواحد منهم تماماً مثلما أدخلَتني من قبل كل الديانات الأخرى نيرانهم وأسخطوا علي آلهتهم. وكأن كل من يفكر، مصيره نار من النيران أو أكثر. لا أؤمن بكُل آلهتهم وإلهك أيضاً! فسأله: أليس هو نفس إلهك؟ فرد: بالطبع لا! لكل منّا إصدار خاص بإله خاص ودين خاص. الإنسانية هي مرآة الألوهية تصوغها وترسم ملامحها وليس العكس، إلهي مُختلف بقدر مساوٍ لاختلاف عقول البشر. إله يُطلب خصيصاً وفق عقل الزبون أو العميل. لن أستطيع أن أحدثك عن إلهك ولا عن دينك فهما بالنسبة لي مجرد أفكار لم أعد أؤمن بها، أستطيع فقط أن أحادثك عن إصداري الخاص. انفعل الصديق بحنق من كلمة ’إصدار‘ التي لم يفهمها، فسأله مقاطعاً بغضب للاستيضاح. فأجابه: قبل أن أصف لك إلهي وديني يجب أن أخبرك أن معظم الكلمات يمكن شرحها بأكثر من تعريف تماماً كالحياة نفسها- يراها كل منا بعيناه مختلفة، فالكون الخاص بكل منا بداخلنا، إحساسنا به ورؤيتنا له. وتنشب الخلافات حينما تنكر على الآخر حقه في الاختلاف. فمثلاً الكلمة (دين) يختلف معناها من شخص لآخر بشكل واسع، فيرى البعض الدين على أنه الإيمان بعقيدة أو بملة ما، ويرى فيه آخرون اِتّباع لحشد من الناس وتقاليدهم كي لا يكونوا "منبوذين"، ويخضع به آخرون لقوة أو قوى جبارة خوفاً من بطشها بهم، كثيرة هي التفسيرات لنفس الكلمة.
دعني أحدثك عن مفاهيمي الخاصة، فماذا تعني الصلاة والعبادة والدعاء والدين والتقوى والإله؟
   قليلاً عن الدين أحدثك، هو كل ما تؤمن به وتعلمته وتتعلمه كل يوم في الحياة من دروس وطرق لأن تكون ما أنت عليه الآن- إنساناً أفضل أو أسوأ! نعم، أسوأ. هو وعي بالطبيعة والماهية الجوهرية للإنسان، الذي يبدو كأنه موجه صوب جوهر آخر منفصل عن حدوده الفردية ووجوده المادي، ولذا فكل صفات جوهر الإله هي صفات جوهر الإنسان في أقصى درجات كمالها. كما أنه يُسَكِّن بعض من خوف الإنسان حينما ينتمي لآخرون مثله وبالإضافة لهذا الاحتياج الأساسي بالانتماء فقد كان الدين له دور تاريخي في الشعوب لا مجال لذكره، انمحى جزء منه وظل جزء آخر، لطالما رأيت الأديان قوة..لا بُد أن يساء استعمالها. ابتسم صديقه لأول مرة فاستطرد قائلاً: ...فـ"التدين" بمفهومه الدارج أقرب لأن يكون مرض، أما التدين الذي أقصده كلنا فيه متدينون! فقال له: حدثني عن إلهك إذن. ابتسم وأرسل بصره في الأفق من نافذته قائلاً: آآه، إلهي. كيف أبدأ! إنه معقد لدرجة البساطة هذا الإله. أدار محرك سيارته وانطلق بها في طريقه البعيد لمنزل صديقه وهو يصف إليه..
          إلهي هو الكمال والمثالية في القيم التي نعيشها ونحبها ونصبو إليها في مساعينا اليومية؛ العدالة، الحرية، المحبة، السعادة، الشهوة، الخير، الأمن، السلام، الجمال، الحق، الإخلاص، الصراحة، النجاح وغيرها.
إلهي يشار إليه بالمفرد المذكر للتبسيط والترميز؛ هو. لكنه ليس مفرداً وليس مُذكراً في حقيقته.
إلهي مُنصهرٌ في الحياة، والحياة بدورها جزء ظاهر منه.
إلهي في كل شيء، غير أن ليس أي شيء هو. الموجود الذي لا يتواجد.
إلهي روح، طاقة ما وراء الطبيعة، قوى محركة لدوام الحياة تكمن بداخلها ولا نعي الكثير من خصائصها. ولكن لا يهم فالمتعة نادراً ما تكون في الوصول، المتعة في الطريق. ليس كل ما نستوعبه الآن يعيق التقدّم للأمام.
إلهي كالحياة، كلما تعرفت على القليل منها، أدركت جهلك بالكثير الذي ينتظر فتحك العظيم. إلهي في لذة التعلم.
إلهي فكرة أكبر من أن تستيبها جدران دور العبادة.
إلهي فكرة لا يمكن تصنيمها أو كتابتها ولا يمكن تمزيقها أو محوها. في اليوم الذي يصبح فيه الإله شخصاً أو شيئاً، لا يكون إلهي، فكلاهما أصنام وأنا لا أؤمن بالأصنام.
إلهي هو الموجود الذي لا تراه فتظل تبحث عن صورته بين الناس بينما هي تسكنك. لا يستطيع النوم ولا الشراب ولا ارتفاع صخيب الاحتفال أو تأوهات المومس المصطنعة أن ينفوا حقيقيته.
إلهي ليس واقع أو مادية الحياة، إلهي الرومانسية وراء هذا الجمود. فالواقع الملموس المرئي دائماً ’مرآة‘ للمحسوس الأعمق الذي لا يُرى. فهكذا الإنسان؛ لا يرى حباً ويرى المحبوب، فيؤمن سريعاً بالحب ويعتقد فيه بسهولة.
كنت أظنه كما رسموه لي، شخصاً قوياً مُتكِئاً يطل بعجرفة المجحف من السماء وهو ما أخذ يُصبح عديم المنطقية مع توالي الأيام.
إلهي لا يطل من بعيد، إلهي في قلب الأحداث. رومانسيٌ واقعيٌ هو.
إلهي ليس هذا العجوز العابس الذي يطير الذي صوره مايكل آنجلو خالقاً للحياة في جداريات "سيستين تشابيل" بالفاتيكان- إيطاليا، وتظل عظيم يا مايكل آنجلو على الرغم فقد ألهمت من بعدك الملايين بأعمالِك الفذة.
إلهي مثل كل الأشياء التي لا أراها ولكنّي أشعر بوجودها؛ الحب، السعادة، الخوف، الكُره، الحقد، اليأس، الأمل.. فعبادة المادة وتملّكها لا يوفران السعادة، ومن يعِش بما يستشعره ويفهمه برومانسية مثالية، ويعط ويشارك بحُب هو من يجد السعادة.
إلهي موجودٌ في أعماق من لا يعتقدون فيه.
إلهي هو كل الاجتهادات والاعتقادات في تفسيره التي انتهت بإيمان الإنسان بحتمية أن يصبح كل يوم أفضل مما كان عليه فقط، أفضل في تعامله مع نفسه قبل غيره. لا نحتاج لكُل هذا التبحر في البحث لكي نبرر الخير أو نتحيز للحق بغض النظر عن إيماناتنا وعن مجهولية المصير فيما بعد الحياة. لن أكون من يزف لك خبر أنك ستذهب إلى الجنة أو النار إذا كنت كذا وفعلت كذا، أنت تختار إحداهما من على الأرض، كلاهما يبدأ الآن.
فما تعتنقه من مبادئ إن لم يجعلك هذا الإنسان فهو عقيدة فاشلة وهذه القشرة من الاعتقادات التي تحيط نفسك بها وتظنها تحميك، هي في الحقيقة كقشرة البيضة المريضة الهشة التي بأتفه المؤثرات الخارجية ستنهار وتتركك فرخاً مهترئاً في العراء، تقيدك عن حريتك وإنسانيتك وعن الطفل السعيد الذي كنته أنت الذي لم يخف أن يحب ما يريد، وأن يبذل شتى المحاولات في الحصول عليه.
إلهي وضع بنا القوة والتحرر المحتملان ليكفيا أن نرسمه كما نرسم حياتنا. أعطى لنا ما نستطيع أن نغيره، وما لا نستطيع تغييره، وترك لنا المجال في أن نكتشف النسبة الحقيقية بينهما.. التي تتغير كل يوم! في عقولنا أعظم أنظمة المحاكاة على الإطلاق؛ تخلق وتُغيّر وتُحرّك كل شيء من حولها.
إلهي يكفي الجميع.
إلهي خلق بالأرض ما يكفي الجميع.
إلهي يؤمن به الكثير من "المُلحدين" و"اللا- دينيين".
إلهي لا يؤمن به الكثير من "المؤمنين" و"المتدينين".
إلهي لا دين له ولا يُحِب رجال الدين!
إلهي أطهر من أن يشبهوه بملك متغطرس يحيط نفسه بحاشية فاسدة من المدعين من المندوبين الذين يترممون على جهل وخوف البشر فهو لم يعيّن أحداً منهم ولا يبتاع "الحلال" و"الحرام" من سوق الكهنوت.
إلهي لا يُكفّر من لا يؤمن به كما يفعل البشر.
إلهي حقيقة لها أوجه كثيرة، تجمع الناس في اختلافهم.
إلهي صلّى له ما قبل التاريخ وما زال يصلي مليارات البشر ليس تحت أسقف وقباب "بيوت العبادة" ولكن تحت قبة السماء التي لا حد لها. صلّى له قديماً الإغريقيين والبابليين والمصريين القدماء والكثير من "الوثنيين".
إلهي قدسيٌ في قداسة الحياة فهل يستطيع أحدهم أن يهين الحياة أو الطبيعة؟!
إلهي لا يهان بحذاء مقلوب وجهه للسماء حيثما يعتقدوه موجود.
إلهي لا يُحرِّك ساكناً إذا أحدث الإنسان مكروهاً أو فعل قبحاً. إلهي لا يغضب ولا يهان.
إلهي لا يتغذّى على خوف الأطفال الذين يبللون أسِرَّتهم، ولا الكبار الذين ينحنون للخرافات.
إلهي لا ينافي طبيعة الأشياء، فهو في كل منها.
إلهي لم يتعدد تماماً كتلك الحياة الواحدة التي أعرفها.
إلهي لا يتحدّث أي اللغات التي تنطق بها ألسنتنا، عربية كانت أو إنجليزية أو غيرها، فهو قوى خفية شعرنا بها دوماً تفيض من داخلنا وسمعنا همس الحياة بها في آذاننا من خارجنا، قوة حليفة للحياة تعرفها حينما تفتح قلبك لموجاته فتتردد دخولاً وخروجاً بين الحاء والباء.
إلهي أبديٌ مُحِب يعرض علينا الخلود لمن يحب، لمن يحلم، لمن يؤمن. فالذين ينتمون لأفكار أسمى من ذاتهم لا يموتون.
إلهي شمولي الرؤية لا يتعامل بـ"طاعات" و"خطايا"، عملة إلهي هي الحُب، يحب كل ما هو طيب وجميل؛ الرقص، الجنس، الضحك، المغامرة، الغناء، الأزياء وغيرهم، قد يعرف اللا- حب ولكنه حتماً لا يعرف البغضاء والكره. إلهي كالحياة التي لا تجازي أي منا على نجاحاته أو إحباطاته اللحظية ولكن مُجمل كلاهما.
إلهي لا يحتاج لأن يُبجَّل ويُمتَدَح ليزداد غروره انتفاخاً. إلهي أعماله تمتدحه في صمت؛ الشمس، الإنسان، الرياح، البحر.. إله لديه من الإنجازات والثقة ما يعفيه من الحاجة العاجزة لمديح الإنسان المتواصِل بشفاه الخوف.
إلهي ليس مُسناً ضعيفاً ينتظر الحشد الجماعي للدفاع عنه وكأنه من أصحاب العاهات فهو القوة الدائمة الكائنة في كل الأشياء، قُل لي كيف تدافع عن الجمال أو الحُب؟!
إلهي شاب أبديٌ لا تعرفه الشيخوخة ولا يناله الموت، كالحياة...تُكمِل رغم أنف كُل ما يَتَوقّف.
إلهي شاعر رسام مطرب ملحن روائي مُهرِّج استعراضي؛ رسام تحركه لوحاته، وكاتب تغيّره رواياته، وملحن يرتعش لموسيقاه.
إلهي هزلي في جديته، ثابت في تغيره، لديه من التوازنات ما يذهلني كطفل يرى بعذرية عيناه كل شيء لأول مرة.
إلهي تشبّه بِهِ العجائز حينما أحبّوا التصابي ورغبوا الأبدية.
إلهي مكروهٌ من كل من نبذ التوازن بين الطفل والشاب والمُسِن الكامِن بداخلنا وبداخل إلهي، واتخذ من روح العجوز المتذمر مسكناً له. ألقوا بجبنهم وكسلهم على شماعة إله ليس بإلهي.
إلهي لا يبغض. إلهي لا يعبس.
إلهي لا يستعذب الآلام. إلهي لا يحب الانتقام.
إلهي لم يتواجد ليسبب مآسينا وأحزاننا وأمراضنا وحروبنا. إلهي متوازن وليس شريراً.
إلهي لم يخلق كُل هذا الإبداع والتوازن لتنقطع أياديه عن التدخل فيه لاحقاً. إلهي لا يتدخل أو يتدخل، هذا ما لا يستطيع إدراكي المحدود الاعتقاد بشأنه فهو ميتافيزيقي التركيب، ذو قدرات توازن الأشياء بأيادي خفية.
إلهي كشمس الحياة التي تُشرِق كل صباح فتُـقبـِّل الورود وفضلات الماشية سواسية ’بلا تحيُّز‘ فتعطي الجميع فرصة يومية جديدة بمنتهى السخاء.
إلهي صديق مُخلص اتعلّم منه وعنه الكثير كل يوم.
إلهي ترك لي حرية عبادته أو عبادة غيره، فزرعت على الحرية أفدنة من نباتات الحُب.
إلهي لم يتخذ له عبيداً من البشر، فتلك العبودية لا تذل العبد فقط ولكنها تُدنِّس من حرية سيدٍ ليس بإلهي.
إلهي يُعبَد بالعِلم والحُب لا بالجهل والخوف.
إلهي ليس لديه حقوق علي أو له واجبات مِنّي فهو مُستمرٌ بدونهما.
إلهي أنا! إلهي أنا حينما تشبّهت بأجمل صِفاته كالطفل الذي يقلد أباه العظيم أو الطفلة التي تقلد أمها الرائعة، فأعفو عن من استطيع إيذاءه، واُحِب من بغضني، واُحسِن إلى الجاهل بدلاً من أن أكرهه، واُعطي بدون انتظار المُقابِل...قدوتي أنا. إله يسمح لمن سعى لمثاليته أن يقترب منه ليتخذه أباً فيُصبِح ’شِبـه إلـه‘، لا يمتلكه أحد ولا يفضل أحد ممن اتخذوه أباً لهم.
إلهي عظيمٌ لأنه يرى العظيم الذي يُمكِن أن يكونه أي منّا.
إلهي هو المعنى لمن أراد أن يصنع للحياة معنى من بين مظاهر عبثيتها، الإلهام الذي لو لم يكُن...لوجب صُنعه! فكما يظن البعض ممن لفظهم إرهابيو الأديان أنها حياة عدمية عبثية تعاش بهدف الاحتفال، يظن أيضاً هؤلاء الإرهابيون الحياة كـ(شَر لا بُد منه) للوصول بيقين الجهل لما بعدها، وكلاهما تعيسٌ للغاية بالداخِل حيثما تنمو رومانسية إلهي.
إلهي يتغزّل في بنعمه، فأتَغزّل فيه بكمالِه وجمالِه.
إلهي لا يحجب ويحتفظ بما هو أفضل إلا لمن يبذل الأفضل...الآن.
إلهي مكافئٌ لطيفٌ مع كل من يحاوِل، ولا يُبارِك من لا يعمل.
إلهي يدع الحياة لتعطي من يعملون ويتسخون ويعرقون وليس من يتذللون وينتظرون فيملون فيفنون.
إلهي أكثر من كُل هذا وأقل.
إلهي لا يفرض التشابه بين بشر خلقوا مختلفين ولم يرسم لهم طريقاً واحداً يمشون فيه كنُسخ باردة نحو مصير معلوم.
إلهي يؤمن بالنسبية والمساواة معاً لأننا مختلفون ومتساوون معاً.
إلهي يعرف أن الرذيلة ضرورية حتى تكون الفضيلة. إلهي يعي التباين.
إلهي لا يُعبد بالنجاحات والأعمال الطيبة فقط، إلهي يعبد معهما بالأخطاء والإحباطات والنوايا الكُليّة. كلما عرفت المزيد عن من أو ما تحب، ستعرف أيضاً أكثر الطرق ملائمة لحبه، وكذلك إذا عرفت إلهك بما فيه الكفاية، ستعرف بنفسك أفضل الطرق ملائمة لعبادته والصلاة إليه، لكُل منا صلاته.
فذلك الأب العليل الذي لا ينطق بشكواه وينزع إلى العلاج في صمت كي لا يشتت أبنائه، دعوه، إنه يُصلّي.
وتلك الأم المنهكة التي خرجت باكراً لتؤمِّن الطعام لأولادها وتعلو ملامحها ابتسامة الإخلاص، دعوها تُصلّي فهي أتقى الأتقياء.
ومثلهما ذلك الشاب الطموح الذي أسرع لاهثاً وراء تلك الورقة التي طارت منه ووقعت على الأرض فجعدتها أرجل الجموع، ليمسك بها ويسويها ويقرأ كلمة كتبها عليها اسمها (حِلم).
وتلك السيدة التي تسهر على أمغاص ابنتها لتتنهد في ألمها وتداويها في هدوء. لا تباغتوها، إنها تُصلّي.
وذلك الرجل الذي يعود مبتهجاً من عمله المُرهِق ليمازح صغيره ويدلل امرأته فيصالح بهما الزمان. لا تقاطعوه، إنه يُصلّي.
وهذا الأخ الذي يعرف جيداً كيف يكون أباً مُصغّراً يقف إلى جانب أخيه ويساعده، اتركوه لصلاته.
وهذا الصديق الذي ينافس الكلاب في وفائها لصديقه.
وهذا البائع الفقير الذي لا يعرف الكراهية في فقره وبساطته.
...هؤلاء هم الكهنة الحقيقيون لإلهي وليسوا من يلبسون العباءات واللحى وأغطية الرأس المطرزة .
إلهي.. كُل عمل قـُصِد به خير صلاة له. دعوهم يصلوا دعوهم يخشعوا في محاريب قلوبهم يتعبدون.
إلهي اليوم ليس إله الغد وليس إله البارحة.
إلهي جديد ويحب الموضة ولا يحب الجمود أو البقاء في الماضي. إنه من الممل ألا نجد دائماً الجديد والمجهول في ما نتعلمه في الحياة.. وكذلك في الإله.
إلهي مدمج بديناميكيتي وليس ستاتيكياً، ولا ينتهي بنهايتي ولا يتعطل بوقوفي، مستمرٌ كالحياة.
إلهي روح تتواصل مع أرواح البشر، تتجاوز أشكالهم وألوانهم ولا ترى أجسامنا  كمجموعة من "العورات" المخزية الواجب سترها، وأشباه الآلهة من البشر تتشبه بالإله الأب في هذا.
إلهي تحدث عنه - وتعلمت عنه منهم- الكثير من العلماء والأدباء والفلاسفة والشعراء والنحاتين والرسامين وصناع الموسيقى والسينما والبُسطاء والعَوَام والأطفال والمزارعين ولم أعرِف عنه شيئاً من رجال الدين.
إلهي عاهرة في عرفهم تؤمن به، وهم لا يؤمنون.
إلهي ذائب في كل شيء وفي كل حُب وجمال.
...في ما تحلم به، في ما يفرح وجدانك.
...في كل يد تتورد بالخير والعطاء.
...في السعادة الجارفة التي تجتاح من يُعطي بغاية العطاء.
...في لحظات الإثارة قبل وأثناء كل ما تتلهف أن تفعله.
...في الخوف من المجهول.
...في قسوة الأيام وكذا حنيتها.
...في تلك البرهة التي تسبق نظرك لشاشة هاتفك الرنان في تمنيك واشتياقك لأحدهم أن يحدثك.
...في المشاعر التي لا تكفيها الكلمات بين الأب وابنه أو بين المحب والمحبوبة.
...في عيون الأطفال، في انحناءات جسد الفتاة الأخاذ.
...في كل ما تريده ان يستمر إلى الأبد؛ طَعم أو رائحة- لمسة أو إحساس.
...في انقباضة تواتيك حينما تعرف بوفاة أحدهم، حتى وإن لم تكن على مقربة كافية من المتوفي.
...في لحظات فراق الذي سيغترب، وتأبين المتوفي، وانتهاء لقاء الأحبة، ونهاية آخر حلقة في عرضِك التلفزيوني المفضّل. إنه في هذا الشعور بالأمل الذي يطيب هذه اللحظات الغير مستطابة؛ الأمل بأن يعود المسافر، ويهنأ من رحل فيما بعد الحياة، ويتلاقوا من جديد، ويستمر العرض. إلهي في الأمل. الأمل والحلم الذي بدونهما تموت الروح التي بدونها تفقد الأجساد دوافع عملها.
...في رغبة الحياة التي انتابت أماً على فراش الموت حين أقسمت بألّا تفارقها قبل أن يعود لها ابنها من البلاد الغريبة.
...في هذا الشغف والولع في العِلم والعمل.
...في ما يخالجك حينما ترغب في أن تثب تلك الخطوة الزائدة عن المطلوب التي لم تُفرض عليك، لأنك حُر.
...في الشعور الذي يسافر به خيال الإنسان لماضيه ومستقبله بل وحاضره في خيلاء وسرور.
...في لذة دفء سريان الدماء لأطرافِك الباردة حينما تحتمي من البرد.
...في النشوة الجنسية التي تلتهب بينهما.
...في الإعجاب الساري في أجواء الغرفة بين أهل هذا الطفل وهو يلهو بلا حذر وبمُطلق الإيمان.
...في انبهارنا وسعادتنا بإحدى اللحظات الكرتونية التي يهوى فيها القط لأسفل حينما يدرك ويرى فقط أنه خرج عن حدود ُمرتفعٍ ما في سحر (توم اند جيري).
...في صرخة من تاقت روحه للعدل والحرية ثائرة بعد أن جار عليها الظُلم طويلاً، كهواء يشهقه بعنف من كان يبعده الغرق ثواني عن الموت.
...في اللحظات التي تغسل بها دموعك الصادقة عثراتك في الحياة فتعطيها أملاً في أن تنهض من جديد لتنفض غبار الفشل بثبات. إلهي يقوي بيديه من تجرّأوا على حمل أقدارهم فوق أكتافهم ليذهبوا بها إلى أبعد حدودها.
...في البهجة التي تراودك حينما ندخل في إحدى نوبات الضحك سوياً أنا وأنت.
...في اللحظات التي تلعب فيها مع وليدك الصغير ولا تستطيع أن تفهم طبيعة فرحتك به، فتكتفي بابتسامة صافية وبلهاء للتعبير عنها.
...في الأوقات التي تنتظر فيها الأيام أن تأخذك لملاقاة أحبائك.
...في فراشات إثارة الحُب التي تصيب أمعائك قبل لقائهم.
إلهي أراه وأسمعه وألمسه وأستنشقه وأتذوقه وأتكلمه وأرسمه وأكتبه وأجهله. إلهي يمتاز وحيداً بأنه في الأشياء بيد أنه ليس أي منها.
لكُل منّا إصداره الخاص من الدين ومن الإله، اِحرِص على أن يكون إصداراً جيداً. لكم اُعجبت دوماً بالقدرات المُذهلة للإنسان، فكما صنع وسيظل يصنع الحضارة، هو أيضاً صانِع الآلِهة.
توقف عن الكلام ونظر إلى صديقه بجواره فلم يجده فاندهش، وتعجب أكثر حينما لم يستطع أن يتذكر متى وكيف أنزله بلا أثر ولكن سرعان ما وجد نفسه بين ابتسامة تملأ ما بين اُذنيه وقدماً تضغط بالتدريج على دواسة الوقود بعد تلك الجرأة والصراحة التي قال بهما هذا الكلام حتى لو كان بعض منه لنفسه.

-انتهت-





2 comments:

  1. Ana ma'7tofa .. Harga3 b3d ma a'7od nafasy .. w astaw3eb el gamal elly maktoob foo2 da!

    ReplyDelete
  2. Love how messed up this is.....
    Lord... This is Perfect.
    Genius.

    ReplyDelete